وکالة مهر للأنباء: اليوم، بعدما هدأت أجواء الانفعال التي رافقت الأيام الأولى للحرب، وانقشع جانب من غبار العدوان الأمريكي ـ الإسرائيلي، بات بالإمكان طرح سؤال أكثر هدوءاً: هل انتصر دونالد ترامب فعلاً في هذه الحرب، أم أنه يحاول فقط تقديم الهزيمة في صورة انتصار؟ منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب، تمحور الخطاب الرسمي والإعلامي في واشنطن حول فكرة واحدة: «يجب أن تستسلم إيران». فقد كرر ترامب ومساعدوه الحديث عن ضرورة إحداث تغيير جذري في سلوك الجمهورية الإسلامية، ووصل الأمر في بعض المراحل إلى استخدام تعبيرات مثل «الاستسلام غير المشروط»، و«الانهيار الوشيك للنظام»، و«تغيير المعادلات الداخلية في إيران». وفي الوقت نفسه، جاء الدعم العسكري الواسع لإسرائيل، والتأييد العلني لعملياتها الهجومية، والرسائل التحريضية بشأن دعم الاضطرابات الداخلية، لتُرسّخ صورة مفادها أن إيران على وشك السقوط، وأن الأمر لا يحتاج سوى إلى بضعة أسابيع إضافية.
لكن السياسة الخارجية لا تُدار بالأمنيات. فقد سارت الوقائع الميدانية في اتجاه مختلف تماماً؛ فلم ينهَر النظام السياسي الإيراني، ولم يتحقق الاستسلام غير المشروط، ولم تنجح واشنطن في فرض التحول الاستراتيجي الذي كانت تطمح إليه. بل إن البنية السياسية والأمنية الإيرانية بقيت متماسكة حتى في ذروة الضغوط، وتمكنت من تغيير معادلة الحرب بطريقة دفعت الطرف المقابل إلى القبول بوقف إطلاق النار، ثم الانتقال إلى مسار اتفاق لإنهاء الحرب.
وهنا تحديداً تبدأ أزمة الرواية التي يروّج لها ترامب. فإذا كان الهدف هو إخضاع إيران بالكامل، فلماذا يجري الحديث اليوم عن اتفاق وإنهاء للحرب؟ وإذا كان المقصود إعادة رسم ميزان القوى الإقليمي لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، فلماذا ما زالت إيران، بعد أربعين يوماً من القتال، لاعباً رئيسياً ومؤثراً في معادلات المنطقة؟ وإذا كان الهدف تدمير قدرة الردع الإيرانية، فلماذا تبدو واشنطن اليوم أكثر خشية من أي وقت مضى من توسع الحرب إقليمياً؟
في الأدبيات الاستراتيجية، لا يُقاس الانتصار بعناوين الصحف، بل بتحقيق الأهداف. لقد دخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها حرباً كان من المفترض أن تُجبر إيران على تراجع استراتيجي شامل، لكن النتيجة جاءت معاكسة؛ فبدلاً من إضعاف إيران أو تفكيكها، عززت الحرب تماسكها الداخلي. وعلى الرغم من التباينات السياسية، تقاربت مختلف التيارات تحت عنوان «الدفاع عن الوطن»، وأظهر المجتمع الإيراني رد فعل مغايراً تماماً لما كانت تتوقعه واشنطن.
وفي موازاة ذلك، استطاعت إيران توظيف أدوات ضغط جديدة، أبرزها ملف مضيق هرمز والتهديد المحتمل لأمن الطاقة العالمي، وهو ما أكد أن الحرب مع إيران ليست مجرد عملية عسكرية محدودة، بل قد تخلّف تداعيات عالمية تمس الاقتصاد والأمن الدوليين. وقد دفعت هذه المخاوف العديد من الأطراف الغربية إلى العمل على احتواء الأزمة ومنع استمرار الحرب.
ومع ذلك، يحاول ترامب اليوم تصوير نهاية الحرب على أنها ثمرة نجاح سياسة «الضغط الأقصى». وهذه ليست المرة الأولى التي يعتمد فيها هذا الأسلوب؛ فمنذ سنوات يميز ترامب بين الواقع الميداني والرواية الإعلامية، وغالباً ما يفضل استبدال الإخفاقات العملية بانتصارات دعائية. فبالنسبة إليه، يبدو أن التحكم في الرواية لا يقل أهمية عن التحكم في النتائج.
وقد تكرر هذا النمط في محطات سابقة، بدءاً من الانسحابات الأمريكية المتسارعة من بعض الأزمات الخارجية، وصولاً إلى حادثة إسقاط الطائرة الأمريكية المسيّرة فوق الخليج الفارسي. ففي كل مرة كان ترامب يسعى إلى فرض روايته الخاصة على الوقائع. والحرب الأخيرة لم تكن استثناءً؛ فكلما تعثر تحقيق هدف، انطلقت حملة من التصريحات والمقابلات والخطابات لتوجيه الرأي العام نحو الإحساس بوجود "انتصار".
غير أن المشكلة في هذا النهج تكمن في أن الرواية لا تستطيع أن تحل محل الواقع. فقد تنجح في التأثير على الرأي العام لفترة محدودة، لكن النتائج الملموسة هي التي تحسم الحكم في نهاية المطاف. فإذا كان الهدف تغيير النظام ولم يتحقق، وإذا كان المطلوب استسلاماً كاملاً ولم يحدث، وإذا كان المقصود إنهاء قدرة إيران على المقاومة وما زالت فاعلة في معادلات المنطقة، فإن الحديث عن النصر لا يعدو كونه محاولة للتغطية على تبعات الفشل.
والأهم من ذلك أن الحرب الأخيرة كشفت مجدداً حدود القوة الأمريكية في الحروب غير المتكافئة. فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكن تجارب العقدين الماضيين، من أفغانستان والعراق إلى اليوم، أثبتت أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية. فمن الممكن استهداف البنى التحتية وإلحاق أضرار كبيرة، لكن من غير الممكن كسر الإرادة السياسية لدولة ما بالقصف وحده.
في المقابل، أظهرت إيران فهماً عميقاً لمنطق الحروب غير المتكافئة، من خلال المزج بين القدرات العسكرية، والامتداد الإقليمي، وأدوات الضغط الاقتصادي، وحرب الإرادات. وهذا ما حال دون تحول الحرب إلى السيناريو الذي كانت واشنطن تسعى إليه. بل إن عدداً من المحللين الغربيين أقروا خلال الأيام الأخيرة بأن الولايات المتحدة لم تحقق أهدافها القصوى، وأنها باتت تبحث عن إدارة خروج يحفظ ماء الوجه أكثر من حديثها عن "«انتصار كامل"
وفي مثل هذه الظروف، لا ينبغي التعامل مع رواية ترامب بانفعال أو بشعارات، وإنما بالعودة إلى السؤال الجوهري: ما الأهداف التي دخلت الولايات المتحدة الحرب من أجلها، وأيٌّ منها تحقق بالفعل؟ فهذا السؤال وحده كفيل بإسقاط الضجيج الإعلامي وإعادة النقاش إلى أرض الواقع.
قد ينجح ترامب لبعض الوقت في الاحتفال بالهزيمة وكأنها انتصار، لكن التاريخ لا يصدر أحكامه استناداً إلى الخطب والتصريحات، بل إلى النتائج. لقد كشفت الحرب الأربعينية ضد إيران، أكثر من أي شيء آخر، حجم الفجوة بين رواية القوة وحقيقة القوة. ولعل هذا ما يفسر أن من يحتاج اليوم إلى إثبات انتصاره ليس إيران، بل ترامب، الذي وجد نفسه مضطراً إلى إلباس الهزيمة ثوب النصر.

تعليقك